شعور غريب تسلل الى وجداني عندما رأيتها تجلس هناك .. ، لا تفهموني خطأ تلك ليست قصة رومانسية بأي حال من الاحوال
..
في ذلك الضوء الابيض الخاص و المميز للمستشفيات
كانت تجلس على احدى الآرائك .. تحنضن رجليها في وضع طفولي و تنظر الى المجهول بشرود ..
نظرت الى الطبيب صاحب هذه المشفى و قلت له : ( و ماذا عن هذه )
نظر لي نظرة من طراز .. [ انت اخترت الحسناء اذن ]
لكني لم اهتم بنظرته
فرد علي مجيباً ..: ( تلك حالة فريدة من نوعها )
و كم كان محقاً
***
حسناً هذا المسفى الانيق
للأمراض النفسية و العقلية
و انا طبيب شاب مازلت في بداياتي
اذا رأينا البناء الابيض الفخم المزخرف
و الحجرات التي على الطراز الأجنبي
و بالطبع الممضرات و الممرضين الذين يبدون كأنهم مستقدمين من (باريس )
تستطيع بسهولة تخمين المبالغ الطائلة التي تدفع للمرضى ها هنا
و للحقيقة لم اكن احلم بأن اعمل في هذا المشفى و انا مازلت حديثاً في هذا المجال
و بمساعدة بعضاً من نفوذ ابي استطعت الحصول على وظيفة لا يحلم بها احد !
..
في ذلك المكان ترى العديد من الاشكال .. و كلهم لديهم حالات خاصة !
و حقاً لا اعرف كيف يحمل مشفى بهذه الارقام الخيالية ... اشخاصاً لهم حالات لا تجدوها ابداً
- اشبه الطبيب صاحب المشفى بجامع النوادر -
و حتى تفهموا قصدي لنرى حالتها
تلك الصامتة !
***
ما لفت نظر انها دائماً في هذا الوضع .. صامتة تنظر بشرود .. لساعات و ساعات و حتى ميعاد النوم
.، حاول معها اطباء كثر لكن لا احد منهم نجح في جعلها تغير نظرتها او تتحدث
و اذا قرأتم ملفها ستجدوا انها مثيرة للأهتمام حقاً
لا .. ليس من اجل جمالها
فللحق كانت جميلة ..
بشرة بيضاء ... عينان بنيتان واسعتان .. شعر ناعم بني قصير .. ملامح ملائكية متناسقة
...
اقتربت منها و انا انظر بتمعن الى نظرة عيناها و هنا ادركت شيئاً
انها منفصلة تماماً عن واقعها
...
***
في مرة و نحن نجمع المرضى حتى ندخلهم حجراتهم
اتجهت اليها لأقودها الى غرفتها - على الرغم من هذا عمل الممرضين-
فنظرت إلي
و ......
هل ما رأيته صحيح؟؟
.. توقفت
اصابتني ما يشبه صاعقة
هلعاً احدق في عيناها الميتتين
و انظر
ثم تتركني هي و تمضي الى حجرتها
فلقد
لقد
توهجت عيناها كأن بهما شعلتين من النيران !!
...
ركضت خلفها
حتى وصلت الى باب حجرتها
فوجدتها تنتظرني
و تنظر إتجاهي ... بنفس تلك العينان
بلا بريق
تقف .. و تنظر لي
ثم تتجه الي
و تقترب
و ......
تغلق الباب بوجهي !
***
منذ تلك الحادثة و انا مصمم ان اكتشف ما حدث
و كانت دائماً شاردة و لا تحرك عيناها
..
لكني في لحظات معينة عندما ابعد عيني عنها .. اشعر بهذا الشعور ان احد يراقبك ، ما ان ادير رأسي مجدداً اجدها تنظر في نفس الاتجاه بنفس النظرة
...
ثم
لا ادري احسست بنوع من الشفقة تجاهها ..
...
في منزلي .. في حجرة مكتبي ..
حجرة واسعة لها مكتبة كبيرة و مكتب انيق و اضاءة تعطيه رونق جذاب ..
جو محبب جداً للإسترخاء و القراءة و الكتابة بتمعن
اخذت ملفها الذي اعطاني الطبيب اياه
و ما إن بدأت بقراءته حتى اصابني هلع !
...
و عندها
لم ادري لكني شعرت بشيء غريب ..
بأن هناك شيء خاطئ
شيء
ليس في مكانه الصحيح !!
***
فش المشفى صباحاً
ما ان لمحتها حتى رأيتها تدير رأسها و تبتسم بسخرية
ثم تكمل جلستها الشاردة
..
لم استطع التحمل
فطلبت من الممرض ان يقودها الى غرفة مكتبي
و تقدمت الى هناك
..
وحدي الآن اجلس في انتظارها احاول ان اجمع افاكري .. اسألتي
..
نظراتي !!
..
هاهي تدخل و بنظراتها الشاردة
و عيناها الميتة
..
بنية واسعة بلا بريق !
يجلسها
و يغلق الباب وراءه
..
ها انا معها
فأقول : ( اعرف انكِ تسمعيني جيداً و لا فائدة من تلك التمثيلية )
و انتظرت لأرى رد فعلها
...
- ......
- قرأت ملفك ... و اعرف ما حدث
- ......
- من فعل هذا ؟؟
-.......
- صدقيني سأفهم .. لقد كانت طقوس .. أليس ذلك ؟؟
- ......
- حسناً .. سأعيدك الى غرفتك
- انت لا تعرف أي شيء .. فإصمت !
وقفت مذهولاً
.. اخيراً تكلمت
و صوتها .. ،، كان رقيق لكنه محمل بالحقد .. بالسخرية .. بالمرارة
- قولِ لي .. دعيني افهم مادمت جاهلاً
- ......
- لن تردِ ؟
-.....
فتحت الباب و ناديت على الممرض حتى يأتي ليرجعها و ما ان اقترب حتى قالت
- لا تصدق ........ ما قرأت
ثم اختفى بريق عيناها الذي توهج للحظة و عادت الى صمتها !
..
***
يوماً ما
في بداية الليل ...
حاولت معها مرة اخرى جلساتي التي اصبحت كثيرة ..
و منذ تلك المرة لم تنطق
كأنها تتحداني
..
لا ادري .. كنت احياناً اراها .. هشة صغيرة شاردة
فتصيبني الشفقة على حالها
..
و كنت احدث الدكتور مرة
فقال لي
- لا ادري ماذا يشدك في تلك الحالة فلا احد استطاع ان يخرج منها كلمة !
او ... انا اعلم .. انها جميلة .. لكن لا داعي لأن تتورط عاطفياً مع مريضة
- انا فقط اشعر بالشفقة عليها ..، فشابة مثلها حرام ان تقبع في مشفى !
لدهشتي
كانت تجلس بعيداً جداً عنا
و ما ان رحل الدكتور حتى نظرت إلي نظرة غريبة
لم افهم مغزاها ... كأنها سمعت!!
في مكتبي
تجلس
بدأت الكلام كالمعتاد بلا ادنى رد منها
ثم فجأة
- شفقة ؟؟
تكلمت بصوت ثابت ، ارتجفت عندما تكلمت فجأة
ثم تابعت
- تريد ان تعرف ؟
حسناً ايها القوي .. لنرى هل ستتحمل الحقيقة .. و هل ستظل تشعر بالشفقة
تخيل اذن ما سوف اقول
لأنك مهما تخيلت لن يصل الى ربع الحقيقة
..
انت في سريرك في العاشرة من عمرك
فجأة تسمع ضجيج
فتخرج مذعور لترى المذبحة
اخيك الصغير ذو الاربعين يوماً رأسه مقتلعة
امك يتم اقتلاع عيناها
والدك يتم اقتلاع قلبه
و اختك الصغيرة تقف معلقة بفجوة في معدتها
و تقف انت وسط هذا
... الدماء تغرقك
و عائلتك حولك ممزقة
و ترسم بأجسادهم دائرة حولك
و بأعضاءهم المقتلعة يتوقد فيها النيران
نيران .. خضراء !
..
ثم
...............
- ماذا ؟
- تعتقد اني صغيرة هشة ؟
و تبتسم بسخرية
- كـــ..كيف عرفتِ ؟؟
ثم
صوت غريب
فأقف انا بذهول و هلع احدق في الجدار
و هي تبتسم و تخرج من المكتب
و انظر الى الجدار
لأراه مهشم
بضربة رقيقة جداً من قبضتها
هشمت جزء من الجدار !!
يتبع !
